القاضي عبد الجبار الهمذاني

14

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في إبطال القول بأن الكلام معنى قائم في النفس اعلم أن إثبات ما لا طريق إلى معرفته من جهة الاضطرار أو الاكتساب لا يصح ، كما أن إثبات ما لا يعقل وما لا يصح اعتقاده لا يصح ؛ وذلك لأن المثبت لأمر يدعيه لا بدّ من أن يلتجئ في إثباته إلى طريق يعرفه به . فإذا ثبت أنه لا سبيل إلى إثباته بوجه من وجوه العلم فالواجب نفيه ، لأنه متى بين ذلك من حاله جرى إثباته مجرى إثبات ما لا يعقل ، وإنما يفارقه في حصول الشبهة على مثبته وتصوّره أنّ إلى إثباته طريقا فتفارق حاله عنده حال ما لا يعقل . فأما إذا ثبت انتفاء طرق العلوم فيه ، فيجب أن يساويه . ولولا صحة ما ذكرناه لجوّزنا ما يدعيه كل أحد من إثبات المعاني ، وإن لم يكن له إلى إثباتها سبيل . وتجويز ذلك يؤدى إلى الجهالات ، بأن يقال : يجب ألّا نؤمن أن مع العلة التي ندعى أنها موجبة للحكم معنى سواها هو الموجب للحكم / دونها . ومع ذلك المعنى معنى ثالثا ، حتى لا ننتهى إلى حد ، إلّا ويمكن ذلك فيه . وكذلك القول في تضادّ الضدين ، وما يستحق به الذم أو المدح ، وما يتعلق من المعاني بغيره . وفي ذلك إبطال أصول الأدلة ، ومتى جازت هذه الشبهة فيها فهي في العبادات أجوز . وهذا يؤدّى إلى ألّا نثق بحقائق الأسماء ، وأن يدّعى فيها ما لا دليل عليه ، وفي ذلك ارتكاب التجاهل في الأسماء والمعاني جميعا . وما أدّى إلى ذلك وجب الحكم بفساده .